تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
x

سباق الحرب والحوار بين أمريكا وإيران

مصدر الصورة
وكالات

مصطفى السعيد

تراجعت احتمالات اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإيران، لكن الأزمة مازالت محتدمة، فحالة التأهب معلنة بين القوات الأمريكية في العراق وسوريا والقواعد الأمريكية في المنطقة، إلى جانب سحب معظم موظفي السفارة الأمريكية في بغداد والقنصلية في أربيل، وتصر واشنطن على المضي فى تشديد الحصار الاقتصادي إلى أعلى المستويات، فامتد حظر التصدير إلى الحديد والصلب ويجرى بحث منع إيران من تصدير البتروكيماويات، لكن تفاقم الحرب الاقتصادية يمكن أن يشعل الحرب العسكرية في أي لحظة، عندما تجد إيران أن الخسائر الاقتصادية لا يمكن تحملها، فهناك مستويات من الحروب الاقتصادية تفوق في نتائجها التدميرية العمليات العسكرية، من هنا فإن أجواء التفاؤل بعدم نشوب حرب واسعة في المنطقة ليس موثوقا في هذه الفترة على الأقل، وإن كانت إدارة ترامب تسعى إلى فتح خط اتصالات مباشر مع المسئولين الإيرانيين، وهو ما يفسر اللقاء المفاجئ بين ترامب والرئيس السويسري أولى ماورر بحضور سفير سويسرا فى طهران، والذى يتولى رعاية المصالح الأمريكية في إيران، لعدم وجود تمثيل سياسي بينهما منذ 40 عاما. الأفق يبدو مسدودا، فقد استنفدت واشنطن الحد الأقصى من الضغوط الاقتصادية، ووصلت حد الانفجار بحادثي الفجيرة وأنابيب ينبع، فهل يمكن طلب ترامب إجراء حوار مباشر أن يتحقق؟ إيران ترفض الحوار، وتشترط إلغاء العقوبات وعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، وألمحت الولايات المتحدة إلى أن الشروط المتعلقة ببرنامج إيران الصاروخي ودعم الحوثيين والفصائل الفلسطينية وحزب الله والحشد الشعبي العراق يمكن مناقشتها وتعديل بعضها، فى محاولة لفتح كوة في الجدار، لأن خيار الحرب لا يمكن أن يؤيده عاقل، ويمكن أن يؤدى إلى دمار واسع لم تشهد له المنطقة مثيلا في تاريخها، والمؤكد أنه سيمتد إلى عدد كبير من الدول، وفى مقدمتها إسرائيل، التي حرضت واشنطن كثيرا على عملية عسكرية تراها ضرورية ضد إيران قبل أن تتحول إلى دولة نووية، لكن الصوت الإسرائيلي قد انخفض في ذروة الأزمة، واكتفت إسرائيل بالمتابعة من بعيد وكأن الأمر لا يعنيها، في الوقت الذى تجسدت فيه نبرة التحدي الإيراني سواء في عملية تخريب سفن نقل النفط قبالة سواحل ميناء الفجيرة الإماراتي، أو هجوم طائرات مسيرة انطلقت من صنعاء لتخريب مضخات وأنابيب لنقل النفط السعودي من شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وهى رسالة تقول إن إيران عازمة على وقف تصدير النفط من منطقة الخليج إذا جرى منعها من تصدير نفطها، ولم تقم الولايات المتحدة بأي خطوة، سواء من رد عسكري محدود أو حتى المواجهة الدبلوماسية الإعلامية، ربما لأن توجيهها الاتهام سيفرض عليها الإقدام على رد قوي، خصوصا في ضوء قدوم حاملة الطائرات الأمريكية إبراهام لنكولن، وترقب القاذفات العملاقة بي 52 لحظة الإقلاع لتوجيه الصواريخ بعيدة المدى إلى الأهداف المنتقاة، واحتبست أنفاس العالم في تلك اللحظات الفارقة، خاصة أن بين فريق ترامب عددا من الصقور المتحمسين للحرب، وفى مقدمتهم مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية.

يبدو أن الولايات المتحدة لم تكن مستعدة لمثل هذا الوضع، وظهر الارتباك على إدارتها، بين اعتبار الحادثين شرارة إطلاق للنار، أم مجرد حادثين يمكن احتواؤهما، لهذا قررت توسيع المشاورات التي جاءت جميعها في جانب خيار رفض الحرب، فقد توجه بومبيو مباشرة إلى العاصمة الأوروبية بروكسل، والتقى وزراء خارجيتها، وكانوا جميعا ضد خيار الحرب، بل أعلنوا الالتزام بالاتفاق النووي مع إيران، ليتوجه بومبيو إلى روسيا التي تؤكد موقفها الصارم ضد الحرب، بل حملت واشنطن المسئولية عن التوتر في المنطقة، وأكدت روسيا موقفها الثابت من الاتفاق النووي. وما زاد الأمر تعقيدا هو ما أعلنته نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأمريكي بأن ترامب لا يملك تفويضا من الكونجرس لشن حرب على إيران، لتقف الإدارة الأمريكية في وضع صعب أمام حلفائها في الخليج الذين استمعوا طويلا من ترامب عن دور واشنطن في توفير الأمن للمنطقة، وتطالب دوما بدفع الأموال مقابل الأمان.

كشفت الأزمة الأخيرة عن حقائق مهمة، في مقدمتها أن الوجود الأمريكي لا يضمن الأمن، وأن إدارة الرئيس ترامب ليس لديها تصورات واضحة ولا منسجمة حول أمن المنطقة، وأن خيار الحرب لا يمكن تحمله، وأن الحصار الاقتصادي يرفع مستوى التوتر إلى مستوى خطر الانزلاق إلى حرب، والذى لا يحتاج أكثر من تقدير واحد خاطئ يرتكبه أي طرف، وهو احتمال قائم مادامت أسباب التوتر في المنطقة كثيرة، ولا أفق أو إرادة نحو السعي إلى إيجاد حلول سياسية لها، وهو ما يفرض في دول المنطقة إعادة حساباتها على ضوء تلك المخاطر الجسيمة التي تطوقها، كما تجددت الشكوك حول قرب إطلاق صفقة القرن في ظل هذا الاحتقان، خشية أن تزيد الأمور تعقيدا، واستمرار حالة التوجس وانعدام الثقة في المنطقة

مصدر الخبر
الأهرام

إضافة تعليق جديد

نص عادي

  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.
اختبار رمز التحقق هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرًا بشريًا أم لا ولمنع إرسال الرسائل غير المرغوب فيها تلقائيًا.