تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
x

الاستمرار العسير لـ«الاتحاد الأوروبي»

مصدر الصورة
عن الانترنيت

عبد الإله بلقزيز

مشكلة المشكلات في «الاتحاد الأوروبي» عجزه عن تحقيق وحدة سياسية يقوى بها ظهره وتتعزز بها وحدته الاقتصادية

لم يسبق أن تعرض «الاتحاد الأوروبي» لامتحان وجودي كالذي تعرض له، ولا يزال، في سياق جائحة كورونا التي ضربت العالم كله، وكان لأوروبا منها الحصة الأضخم في الخسائر. والحق أن امتحان وباء كورونا لم يكن سبباً رئيسياً في توليد مشكلة انقطاع الأواصر الأوروبية - الأوروبية بين دول الاتحاد، وإنما هو أتى يميط اللثام عن جملة من المشكلات العميقة المعتملة في الداخل الأوروبي، التي جعلت من الاتحاد مشروعاً غير قابل للاستمرار، أو على الأقل، مشروعاً هشاً مفتوحاً على احتمالات الانتكاس، وربما الزوال. لم تكن ما فعلتْه جائحة كورونا ب«الاتحاد الأوروبي» أكثر من تفجير قسم من تناقضات صامتة انطوى عليها منذ قيامه، وتظهير فعل الآليات الذاتية الكابحة له ولصيرورته كياناً إقليمياً قوياً قادراً على المنافسة الندية للقوى العظمى في عالم اليوم. وعليه، ليست مشكلته - ولن تكون - مع الأثر السلبي لكورونا في وحدة كيانه، وإنما مشكلته مع نفسه؛ مع مشروعه والقواعد والأساسات التي قام عليها لحظة النشأة.

أراد «الاتحاد الأوروبي» نفسه، منذ البداية، أن يكون إطاراً إقليمياً وقارياً للوحدة الاقتصادية والمالية، والنقدية، قصد تأهيل دوله لخوض المنافسة العالمية في طور منها جديد فرضتْه حقبة العولمة. ساعدتْه في النجاح، ابتداء، مواريث التاريخ المعاصر ومكتسبات تجربة التعاون الإقليمي في إطار «السوق الأوروبية المشتركة»، و«الجماعة الأوروبية»؛ مثلما ساعدته عوامل أوروبية مستجدة من قبيل: إعادة توحيد شطري ألمانيا، وانضمام معظم دول شق أوروبا - «الاشتراكية» سابقاً - إلى المنظومة الأوروبية بعد انتهاء الحرب الباردة. غير أن تجربة الاندماج الاقتصادي والمالي والوحدة النقدية جوبهت، منذ البدايات، بعقدة الامتناع البريطاني عن الانضمام إلى منطقة اليورو، وإصرار المملكة المتحدة على الاحتفاظ بعملتها الوطنية، واستقلالية نظامها المالي، الأمر الذي حد من طموحاته في أن يكون إطاراً جامعاً للاندماج الاقتصادي الأوروبي.

العقدة البريطانية لم تكن العنوان الوحيد لأزمة الاندماج الاقتصادي الأوروبي، وإنما كان لهذه الأخيرة عنوان ثان أشد أثراً فيها من الأول؛ هو العلاقة غير المتكافئة داخل الشراكة الأوروبية، والنتائج المترتبة، بالتالي، عنها على صعيد مصالح الشركاء المتفاوتة أنصبتهم من عوائد الشراكة. لقد كان مبنى «الاتحاد الأوروبي» على نظام مختل بين مركز فيه (ألماني - فرنسي) وأطراف أخرى هي بقية دول الاتحاد. وإذا كان الخلل هذا من مواريث تاريخ من التفاوت في التطور، فإن تجربة «الاتحاد» والاندماج الاقتصادي لم تصب كبير نجاح في تعديل أحكام تلك المواريث، وإعادة تأهيل «التخوم» و«الأطراف» كي تستفيد من دينامية التطور التي أطلقتها تجربة الاندماج.

ولكن مشكلة المشكلات في «الاتحاد الأوروبي» عجزه عن تحقيق وحدة سياسية يقوى بها ظهره، وتتعزز بها وحدته الاقتصادية؛ وأولها عجزه عن إقرار دستور أوروبي سبق الاتفاق عليه في بروكسل (18 حزيران 2004)، ووقع تعديل مسودته الأولى والتوقيع عليه (29 تشرين الأول 2004)، في أفق أن يدخل حيز التنفيذ في عام 2006. والأوروبيون أنفسهم هم من أسقطوا مشروع الدستور، ومعه الوحدة السياسية الأوروبية؛ بالتصويت الشعبي الفرنسي ضده (في نهاية أيار 2005)، والتصويت الهولندي ضده (في الأول من حزيران 2005). هكذا أتت المشاعر القومية الاستقلالية في بلدان أوروبا تضع حجر أساس لامتناع صيرورة الاتحاد إلى إطار أوسع من الاتحاد الاقتصادي، بل إن الاتحاد نفسه بات مشروعاً مهدداً بانتصاب حواجز محلية كابحة لرسوخه. وغنيّ عن البيان أن هشاشة البناء الاتحادي الأوروبي تولدت من مفعول حقيقة عميقة لم تكن العولمة لتمحوها، أو لتغير منها الكثير؛ هي حقيقة رسوخ الدولة القومية، ومعها الشعور القومي في بلدان أوروبا. وهو عينه الشعور الذي قاد بريطانيا إلى انشقاقها عن المجال الأوروبي. ومع ذلك، لم تفهم نخبها الحاكمة الدرس جيداً، فاكتفت بأن ردت الإخفاق الاتحادي إلى صعود اليمين المتطرف، وفشوّ أفكاره الوطنية الانغلاقية في الرأي. وهذا إذا كان صحيحاً، فينبغي البحث، إذاً، في تلك القابلية الشعبية لاستقبال خطابه الانغلاقي، وموالاته.

مع جائحة كورونا تبلغ هشاشة الاتحاد ذروة التعبير عن نفسها. وليس قليلاً أن تُترك دول منه أمام مصيرها - مثل إيطاليا وإسبانيا - ؛ وأن تقْفل الحدود بين دوله كأنها لم تكن مفتوحة، (منطقة واحدة مفتوحة). لقد تمزقت الأواصر والروابط بين «الشركاء»، وقد يكون عسيراً - وربما مستحيلاً - إعادة بعث الحياة في «الاتحاد الأوروبي» بعد امتحان «كورونا».

مصدر الخبر
الخليج الإماراتية

إضافة تعليق جديد

نص عادي

  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.
اختبار رمز التحقق هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرًا بشريًا أم لا ولمنع إرسال الرسائل غير المرغوب فيها تلقائيًا.