تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
x

تكريس “العدالة”..

مصدر الصورة
البعث

في الوقت الذي يُجمع فيه العارفون بقضايا الضرائب وتهربها أنه لا يمكن إلغاء التهرب الضريبي في أي مجتمع كان، لاعتبارات عدة -لسنا بوارد عرضها تفصيلياً- لها علاقة بالثقافة المجتمعية بالدرجة الأولى، لكنهم لا يستبعدون إمكانية  الحدّ منه على أقل تقدير!.

ولعلّ أبرز ما يجب الاشتغال عليه لتقليص مساحة التهرب، العمل باتجاه اتخاذ إجراءات استثنائية بعيدة عن النمطية، كتشكيل لجان اعتراض ضريبي عادلة مثلاً، بحيث لا تعبّر عن وجهة نظر الإدارة الضريبية فقط، بل يجب أن تعبّر عن وجهتي نظر كلّ من المكلف والإدارة الضريبية، وأن يرأسها قاضٍ متخصّص في الأمور الضريبية، لكي تتكوّن لدى المكلف قناعة بضرورة اللجوء إلى الاعتراض الضريبي للوصول إلى حقّه، وليس اللجوء إلى القضاء مباشرة كما هو حاصل الآن، الأمر الذي قد يدق إسفيناً في العلاقة غير المتكافئة بين المكلف والإدارة الضريبية.

لا شك أن للثقة والمصداقية بين المكلفين والدوائر الضريبية أهمية كبرى للحدّ من التهرب الضريبي، لكن الأهم هو قناعة المكلف بدفع الضريبة، فمن المعروف عالمياً وجود صلة وثيقة بين التهرّب الضريبي وعدم قناعة المكلف بدفع الضريبة خاصة في الدول المتقدمة، على اعتبار أن المكلف غالباً ما يكون على ثقة تامة بأن ما يدفعه من ضرائب سيرى انعكاسه على مستوى الخدمات المقدّمة له، لذلك يُعتبر التهرب الضريبي جريمة كبرى في تلك الدول، ويُنظر للمتهرب بازدراء كونه يتخلّى عن المساهمة في تحسين بلده والارتقاء بالخدمات المقدمة للصالح العام، أما المكلف غير الواثق بسبل وأقنية ما سيدفعه فلن يعدم الوسيلة التي تقيه شرّ الضريبة.

وهنا تطفو على المشهد قاعدة “التناسب العكسي” بين زيادة التهرب الضريبي، وزيادة إحساس المكلف بالعدالة، فكلما شعر الأخير بأنه يدفع ضريبة عالية تتناسب مع قدرته على الدفع، كلما اقتنع بالضريبة أكثر، وكلما منعه هذا الشعور من اللجوء إلى التهرب والعكس صحيح!!.

لكن المشكلة لدينا هي أن التاجر هو المتهرّب النموذجي، وليس صاحب الدخل المحدود، فالخلل في هذه المعادلة إذاً يكمن في التشريع وبعض التطبيقات. مثلاً يمكن أن نجد طبيبين.. دخل الأول يزيد عن الثاني أضعافاً مضاعفة، ويمكن أن يكون التكليف الضريبي للثاني أعلى من الأول.. وذلك لعدم وجود قواعد ناظمة منصفة وواضحة؟!!.

وربما مكمن الخلل هنا أن القانون ينص –فعلاً- “على أن الوزير هو من يضع هذه القواعد”، في حين أن الأصح أن تضع النقابات المعنية بهذه المهنة أو تلك هذه القواعد وليس الوزير، أو على الأقل أن يكون هناك تعاون في هذا المجال، وأن تكون لجان الطعن الضريبي متوازنة من ناحية التشكيل، بحيث لا تكون الكلمة الأولى والأخيرة لموظف الإدارة الضريبية أو الوزير كما هي الحال بالنص القانوني، فهذه مكامن شعور المكلف بأنه لا يحصل على العدالة الضريبية، لا بالتكليف ولا باعتراضه، لذلك كلما سنحت له الفرصة أن يتهرّب فسوف يتهرب!!.

حسن النابلسي

إضافة تعليق جديد

نص عادي

  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.
اختبار رمز التحقق هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرًا بشريًا أم لا ولمنع إرسال الرسائل غير المرغوب فيها تلقائيًا.