تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
x

الدكتور وائل عواد يتابع الكتابة من الهند من وحي الحجر الصحي عن كورونا و يوميّات قنّاص كركرونا - القيل والقال في زمن كورونا -54 -

مصدر الصورة
خاص

        كيفك؟ طمنيني عنّك... شو الأخبار؟

        بالبيت محجورين ما عم أسترجي أطلع برا ... اسكتي، ماعاد ثيابي تلبّسني!

        اييييييييييي عن جد شو سمنتي ؟

        إي والله، وأنت شو؟

        عم ألعب رياضة وخفّف أكل وهيك، بس عم أشرب سوائل كثير. كيف لو تشوفي سونيا!

        شو مالها؟

        مارضت تحكي معي فيديو. قال ماعم تهتمّ بحالها، بيني وبينك شفت صورة إلها كثير بشعة.

لعلّ من نافلة القول إنّ الحجر الصّحيّ الطّوعيّ نعمةٌ لاتتكرّر عندما يتعلّق الأمرُ بالنّميمة ونقل الكلام. وحديث الناس عن بعضهم البعض هي عادةٌ اجتماعيّةٌ متداولةٌ وشائعةٌ بشكلٍ كبيرٍ في جميع أنحاء العالم. بيد أنّ جائحة فيروس كورونا قلّصت من استجواب الشّخص إلّا في الأحاديث بين فردٍ وآخر عبر الشّبكة العنكبوتيّة، ولا يتجرّأ أحدٌ على اتّهام الآخر لقناعته أنّ الشّبكة مراقبةٌ، ويمكن تسجيل الصّوت والصّورة، وبالتّالي تصبح الإدانة موثّقةً ولا يمكن التهرّب من الاعتراف، فتنتهي الصّحبة، ويبدأ الجفاء والعراك؛ ناهيك عمّا لو كنت دبلوماسيّاً او سياسيّاً، وتتّهم الطّرف الآخر بتركيب الصّوت ودبلجة الصّورة، وهذه حالاتٌ نادرةٌ.

وأعتقد أنّ السّيّدات هنّ أكثر النّاس تأثّراً بهذا الحجر الصّحيّ بسبب عدم القدرة على تبادل الحديث والقيل والقال، فقد أفرزت هذه الأزمة الكثير من الأحاديث، وليس من طبع النّساء الاحتفاظ بها لمدّةٍ طويلةٍ، وهذا ليس نقصاً، ولكن باعتبار أنّ اللّغو وتبادل الأحاديث هي ظاهرةٌ اجتماعيّةٌ  نسائيّةٌ بحتةٌ تضيف نكهةً خاصّةً لحياتنا الرّوتينيّة في البيت، وفي الوظيفة، وفي الشّارع، وفي كلّ مناسبةٍ، وفي أيّ زمانٍ و مكانٍ. وكم من امرأةٍ تقضي ساعاتٍ على الهاتف مع صديقتها، إذ تنتظر زوجها للخروج من البيت لتتحدّث إلى صديقتها أو تتحدّث معها على باب المنزل بعد توديع الضّيوف وكأنّها لم تكن تجالسها في الدّاخل!

و يغار الرّجال و يرتفع ضغط  الدّم عندهم عادةً  إزاء قدرة السّيّدات على الحديث لساعاتٍ على الهاتف، بينما نحن لا نستطيع الحديث أكثر من دقائق معدودةٍ.

ولاتقتصر هذه العادة على مجتمعٍ معيّنٍ، ولكنّها منتشرةٌ في معظم المجتمعات الشّرقيّة والغربيّة، وهنا في الهند تعدّ جزءاً لا يتجزّأ من الحياة الاجتماعيّة، وظاهرةً طبيعيّةً، ولاقيمة للحياة بدون القيل والقال.

قبل أزمة كورونا كنت تجد السّيّدات يتجمّعن يوم العطلة في مطعمٍ فاخرٍ لتبادل الحديث بما يعرف ب كيتي بارتيز (Kitty parties )، وهو نوعٌ من الاحتفال تنظّمه النّساء فيما بينهنّ، وهناك من ينظّمه شهريّاً، والبعض مرّتين في الشّهر، ويتمّ تجميع النّقود من الجميع، وتشرف على ذلك إحداهنّ لترتيب اللّقاء والزمان والمكان. لفت انتباهي  هذا المنظر وأثار فضولي، فقرّرت إعداد تقريرٍ لتلفزيون الشّرق الأوسط (الإم بي سي) وكان مقرّه في لندن آنذاك عن هذه الظّاهرة، وتوجّهت إلى فندقٍ، وكانت تلك هي المرّة الأولى التي أشاهد فيها عصابة النّساء يصلن بنفس التّوقيت ويغادرن معاً، إذ حضرن السّاعة الرّابعة من بعد الظّهر،  وبقين حتى السّادسة مساءً، و جلست النّسوة مع بعضهنّ البعض يستغيبون فلانةً ويخمّنّ الدّوافع وراء غيابها، ويتحدّثن عن علاقتها مع زوجها، ويطرحن المشاكل والحلول، ويتبادلن أطراف الحديث وهنّ يتناولن وجبةً خفيفةً وبعض المقبّلات يتخلّلها ضحكاتٍ عاليةً بعض الشّيء.

وبرّرت السّيّدات اللّواتي أجريت معهنّ اللّقاء تلكَ السّلوكيّات بأنّ كلامَ النّاس عملٌ غير ضارٍّ، ولا غنىً عنه، ولا يقتصر فقط على الأشياء السّيّئة والنّميمة كما يظنّ البعض، ومهما فعلتَ سوف يتكلّم النّاس عنك، هذه هي الحقيقة. كما جادلتني إحدى السّيّدات بأنّنا نحن معشر الرّجال نتحدّث في السّياسة والأحداث الجارية، وعن الزّوجة والحماة (أمّ الزّوجة) كذلك، ولكن لا نعترف بالمتعة  من وراء ذلك، خاصّةً النّكت التي تطال المرأة والحماة.

على كلٍّ، لايوجد سنٌّ محدّدةٌ للثّرثرة، ولا حواجز بين السّيّدات بمختلف الأعمار، ومن السّيّدات أيضاً من هي صاحبة النّكتة وعرّيفة التّجمّع، وترى بقيّة السّيّدات يستمعن بشغفٍ لحديثها.

قد تختلف طبيعة الأحاديث، لكنّ الغاية واحدةٌ، والإفراط في الأحاديث يزيد من إطرائها ويضيف نكهةً جديدةً لمكانتهنّ الاجتماعيّة، وهي فرصةٌ جيّدةٌ وصحيّةٌ للاختلاط مع العالم الخارجيّ والتعرّف على الخطأ والصّواب، ولكنّها تقود في الكثير من الأحيان إلى الخلافات والمشاجرات والمشاكل فيما بين الأسر والأصدقاء.  بيد أنّ قليلاً من الضّحك والدّعابة، وبعض التّعليقات اللّاذعة والمكر والخبث والكثير من الدّبلوماسيّة كافيةٌ لترطيب الجوّ، ونجد في نهاية المطاف أنّ كل ما نحتاجه هو القليل من القيل والقال لنجعل حياتنا أكثر مرحاً وإثارةً.

بعد عملية رفع الإغلاق التّامّ، قمتُ بزيارةٍ إلى المطعم الفاخر وقت تجمّع السّيّدات من باب الفضول لأعرف كيف تحمّلن فترة الحجر دون الحديث عن بعضهنّ البعض، إذ اقتصرت اللّقاءات عبر الانترنت على المجاملات والأحاديث العامّة. كان المطعم شبه خالٍ، والاجتماع بين السّيّدات يواكب التّعليمات الجديدة بالإبقاء على التّباعد الجسديّ ووضع الكمّامات على وجوههنّ. وشعرت بالأسى والحزن لهذه الحالة الاجتماعيّة المتردّية، فلا السّيّدة قادرةٌ على الاستمتاع بالحديث ولا على سماع زميلاتها جيّداً بسبب التّباعد حتى في الجلوس بالمطعم. والجميل في الأمر أنّ الحديث كان يتعلّق بالشّؤون الدّوليّة:

        شو هذا شو صاير بالدّنيا؟ شو هالغلا!

        الله وكيلك ما عم بقدر اشتري بربع القيمة؛ الأسعار نار!

        ما توقّف الطّيران لذلك ارتفعت الأسعار.

        شو دخل الطّيران بالخضار والفواكه؟

        مو موقّفة القطارات ووسائل النّقل، المهم ماعلينا.

        ماحدا بياخذ بالبطاقة الكل بدّو نقدي.

        البنك عم يخفّض المبلغ اللّي منقدر نسحبه.

 وعن المشاهير في سينما بوليوود:

        سمعتِ هالخبريّة؟ اليوم ملكة جمال العالم السّابقة أيشواريا راي  وابنتها وزوجها الممثّل أبيشيك باتشان وعمّها عملاق الشّاشة الهنديّة - أميتاب باتشان - وكذلك الممثل أنوبام كير وعائلته كلّها أصيبوا بفيروس كورونا، يا لطيف.

        بتعرفي صرت خاف شوف أيديي من التّعقيم والتّنظيف، قشرالجلد.

        خلّونا نرجع على البيت، شي بيخوّف، إذا المشاهير عم يتعرّضوا للفيروس! خلونا نبخبخ ونرجع عبيوتنا ...

 واختُتِمَ الحديث بالقليل عن الجنس والكثير من الفلسفة، وكانت  سيرة الحماة والزوج - أبو كرش - غائبةً  لحسن الحظ .

وعلى الرّغم من الحجر المنزليّ، إلّا أنّ ذلك لم يمنع السّيّدات من الاجتماع الافتراضيّ عبر الانترنت أسبوعيّاً، وذلك تماشياً مع بقيّة الاجتماعات واللّقاءات التي تتمُّ عبر الشّبكة العنكبوتيّة، وتماشياً مع الصّرعات الجديدة في اللّقاءات الافتراضيّة، ولكنّهنّ يشتكين أن لا شيء يعوّض عن اللّقاء الجسديّ وقراءة الحركات والايماءات ومراقبة ماذا تلبس كلّ واحدةٍ منهنّ، وتبادل الحديث مع البعض بعد الحفلة للتّعليق والتمحيص والتّفقيس.

من المعروف أنّ من أكثر البرامج مشاهدةً وأكثر المجلّات مبيعاً تلك التي تهتّم بفضائح المشاهير ونقل أخبار النّاس، والكلّ يخشى كلام النّاس بغضّ النّظر عن الحالة الاجتماعيّة، متزوّج، أعزب، أم مطلّق، فهي ترهق وتقضّ المضاجع وتثقل كاهل المرء وتنغّص عيشه، وهي ظاهرة الخوف حتّى لو كنت تعتقد عكس ذلك. وهناك الكثير حولنا ممّن يتقن فنّ النّميمة والتحريف وإثارة المشاكل، وحتّى في هذه الأيّام، أيّام جائحة كورونا، هناك من يرمي الإشاعات ويروّج لها، وهناك من يخفي مرضه وحتّى سعاله وعطسته خشية أن يقول النّاس عنه بأنّه مصابٌ بالكورونا، أو كما يُقال باللّهجة السّوريّة (مكورن).

هي آفةٌ اجتماعيّةٌ إذاً أم عادةٌ لها مساوئها وظرافتها؟ وكيف يمكن معالجتها؟

لكلّ مجتمعٍ عاداته وتقاليده المتّبعة، وأعتقد أنّ المجتمعات الشّرقيّة أكثر تأثّراً بكلام النّاس، ومعظم ما تسمعه في المجتمعات الغربيّة: "لا يهمّني مايقال عنّي، اذهب إلى الجحيم..."، بينما في مجتمعاتنا وحسب الأعراف والتّقاليد المتّبعة فالجميع آذانٌ صاغيةٌ. يتمّ عقد جلساتٍ خاصّةٍ للمعاتبة والاقتتال وتبادل الشّتائم وأحياناً بعض اللكمات. وهذه الأيّام لا مزاح فيها، فقد تكون عرضةً لضربة سكّينٍ أو إطلاقٍ ناريٍّ دون  أيّ دليلٍ قاطعٍ أو معرفةٍ كافيةٍ بمجريات الحديث أو حتّى التّأكّد من صحّته؛ وفجأةً، يصبح أكثر من شخصٍ شاهداً على ما سمعه من الشّخص الآخر وهكذا، بينما يكون الردّ دوماً: "أوعى تجيب سيرتي مرّةً ثانيةً على لسانك". وهذه العبارة مستخدمةٌ بين رجال السّياسة أيضاً، وأبطال الشوارع، والبكوات في سجون تجّار المخدّرات. ونحن أكثر النّاس إلقاءً للحكم والمواعظ، ونستدلّ حتّى بقول الله تعالى ولا نعمل به :"وإنّك لعلى خلقٍ عظيمٍ"،  ويقال الغيبة رسول الشرّ بين البشر ومفتاح الشّيطان، وقد قال تعالى في القرآن الكريم: "ولا يغتب بعضكم بعضاً".

وكما أنّ إرضاء النّاس غايةٌ لا تدرك، فمن الصّعب علينا أن نقنع أحداً بوجوب الإقلاع عن هذا الأمر. وهنا أذكر الكثير من القصص أيّام الطّفولة التي كنّا نستمع إليها، خاصّةً قصّة الأب وابنه  والحمار وصعوبة إرضاء النّاس، فلا تتعب نفسك بذلك، وكذلك قصّة العرق دسّاس بين الملك والسّياسة. ولا تخلو حياتنا اليوميّة من القصص والحكايات، ومنها على سبيل النّكتة والمقالب الظّريفة، ومنها عن نيّةٍ خبيثةٍ لدى البعض والذين يجدون بين ضعاف النّفوس من يصدّق أقوالهم، ألم يقل سيّدنا المسيح في حادثة رجم المرأة الزّانية: "من كان منكم بلا خطيئةٍ فليرجمها بحجرٍ"! لكنّ قلّةً ممّن حولنا يستطيعون أن يحوّلوا الكلام السّيّء إلى عملٍ جيّدٍ. وفي هذا يقول الشّاعر أبو القاسم الشّابي :

اَلنَّاسُ لَا يُنْصِفُونَ اَلْحَيُّ بَيْنَهُمْ  حَتَّى إِذَا تَوَارَى عَنْهُمْ مَا نَدِمُوا

وتأكّد أنّ كلّ من يتحدّث عنك، إنّما يفعل ذلك بسبب نقصٍ فيه.

وللقصّة تتمّةٌ...

                                   الدّكتور وائل عوّاد

                        الكاتب والصّحفي السّوريّ المقيم بالهند

مصدر الخبر
محطة أخبار سورية

إضافة تعليق جديد

نص عادي

  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.
اختبار رمز التحقق هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرًا بشريًا أم لا ولمنع إرسال الرسائل غير المرغوب فيها تلقائيًا.